أبي منصور الماتريدي
656
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
أفعال لمكان ما يقع بها ، وإن لم يكن الواقع في الحقيقة لهم ؛ فعلى ذلك التعوذ من شر خلقه ، وهو التمكين [ والله الموفق والمعين ] « 1 » . وفي هذا تعلق بعض من يقول [ بأن القوة ] « 2 » تسبق الفعل : أنه لو لم يكن له قوة على الشر كيف كان يتعوذ من شر من لا يقوى عليه ؟ . والجواب من وجهين : أحدهما : أن التعوذ يكون بما سيفعل بما يملك هو ما يقع لديه الفعل ، وهو الآلات السليمة والقدر تحدث تباعا على حدوث الأفعال ، وتحدث لما يختار هو ؛ فصارت القدرة في كونها لما يختار ؛ ككون ما يختار من الفعل بالاختيار بحدوث القدرة حالة الفعل ؛ فيتعوذ منه ؛ لعلمه أن الذي به كأنه في يده . والثاني : أن قد جرت العادة بالعلم بما يقع في المتعارف : كالعلم بما هو واقع في الرغبة والرهبة ؛ ألا ترى أنه يتعوذ من ظلم الجبابرة والظلمة ، على ما بينهم من بعد الأمكنة وطول المدد ؛ لإمكان الوصول بما اعتيد « 3 » منهم بلوغ أمثال ذلك ، وإن كانت القدرة على الظلم في حقه للحال معدومة ، لا تبقى في مثل هذه المدة ؛ فعلى ذلك الأمر الأول : وقوله - عزّ وجل - : وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ ، اختلف فيه : قيل : الغاسق : هو الليل المظلم : والغسق الظلمة . وقيل : سمي الليل : غاسقا ؛ لأن الغاسق : البارد ، قال الله تعالى : لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً . إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً . جَزاءً وِفاقاً [ النبأ : 24 - 26 ] ، والليل أبرد من النهار ؛ لذلك سمي : غاسقا . والأصل في هذا : أن الذي ذكر لا يكون منه ضرر يتعوذ منه ، لكنه يرجع إلى من كان في ظلمة الليل ، أو في نور القمر من الذي يأتي منه المضار ، ومعلوم أن من الشرور ما لا يمكن منها إلا في ظلمة الليل ، ومنها في الليالي لا يمكن إلا بنور القمر ؛ فأمر بالتعوذ مما يكون فيها ، لا أن يكون منها ، وهو كقوله - تعالى - : وَالنَّهارَ مُبْصِراً [ يونس : 67 ] ؛ لما يقع به الإبصار ؛ لا أنه يقع منه ذلك . وهذا - والله أعلم - ليس على تخصيص الليل بذلك ؛ لأنه ليس له فعل الضر ، لكن قد يعرض به الإمكان من الشر ؛ لما المعلوم أن من الشرور ما لا يمكن منها إلا في ظلمة
--> ( 1 ) في أ : والمستعان . ( 2 ) في أ : بالقوة . ( 3 ) في أ : اعتقد .